الجاحظ

83

البخلاء

أصحابنا « فتغافل أبو الفتح ، ثم أعاد عليه القول : فتغافل ، فلما أعاد عيه القول : فتغافل ، فلما أعاد عليه القول ، الرابعة ، قال : مالك ، ويلك ، لا تقطَّعه بينهم ؟ قطع اللَّه أوصالك ! قال : تبتلى على يدي غيري ، أصلحك اللَّه فخجّلناه مرّة ، وضحكنا مرة ، وما ضحك صاحبنا ولا خجل . وزرته أنا والمكي ، وكنت أنا على حمار مكاريّ ، والمكَّي على حمار مستعار . فصار الحمار إلى أسوأ من حال الزّور « 1 » . فكلَّم المكي غلمانه فقال : لا أريد منكم التبن فما فوقه ، اسقوه ماء فقط . فسقوه ماء بئر ، فلم يشربه الحمار ، وقد مات عطشا . فأقبل المكَّي عليه ، فقال : أصلحك اللَّه ! إنهم يسقون حماري ماء بئر ؛ ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة ؛ فهو لا يعرف إلا العذب . قال : فامزجوه له يا غلام . فمزجوه ، فلم يشربه . فأعاد المسألة ، فأمكنه من أذن من لا يسمع إلا ما يشتهي . وقال لي مرة : يا أخي ، إنّ أناسا من الناس يغمسون اللقمة إلى أصبارها « 2 » في المري ، فأقول هؤلاء قوم يحبّون الملوحة ، ولا يعجبون بالحامض . فما ألبث أن أرى أحدهم يأخذ حرف الجردقة « 3 » ، فيغمسها في الخل الحاذق ، ويغرقها فيه وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل ، بعد التغريق ، ساعة ، فأقول : هؤلاء قوم يجمعون حبّ الحموضة إلى حب الملوحة . ثم لا ألبث أن أراهم يصنعون مثل ذلك بالخردل . والخردل لا يرام : قل لي أي شيء طبائع هؤلاء ؟ وأي ضرب هم ؟ وما دواؤهم ؟ وأي شيء علاجهم ؟

--> « 1 » الزور : أعلى وسط الصدر . وتأتي من فعل زار . والزّور ربما كان الزائر ، ولا يعرف معنى اللفظ هنا ولا المراد منها مباشرة ، لان سياق الكلام كان غامضا . « 2 » اصبارها : بأجمعها . « 3 » الجردقة : الرغيف الغليظ .